المايوه الأزرق نزار قباني

نوار قباني والابداع في الوصف 


المايوه الازرق

مرحباً .. ماردة البحر .. على الأشواق طوفي 

غمسي في الماء ساقين .. كتسبيح السيوف 


وانبضي حرفاً من النار على ضلع الرصيف 

واشردي أغنيةً في الرمل .. شقراء الحروف 

دربك الأحداق .. فانسابي على الشوق المخيف 

بدناً كالشمعة البيضاء .. عاجي الرفيف 

زنبقياً ، ربما كان ، على وردٍ خفيف 

ونهيداً .. راعش المنقار ، كالثلج النديف 

تلبسين المغرب الشاحب في بردٍ شفيف 

أزرقٍ .. مغرورق الخيط .. سماوي الحفيف 

أنت .. يا أنت .. لقد وشحت بالدفء خريفي .

أنت .. يا أنت .. لقد وشحت بالدفء خريفي

***

اقرأ جسدك وأتثقف

يوم توقف الحوار بين نهديك المغتسلين بالماء

وبين القبائل المتقاتلة على الماء.

بدأت عصور الإنحطاط.

أعلنت الغيوم الإضراب عن المطر 

لمدة خمسمئة سنه..

وأعلنت العصافير الإضراب عن الطيران 

وامتنعت السنابل عن انجاب الأولاد 
وصار شكل القمر كشكل زجاجة النفط.. 
يوم طردوني من القبيله.. 
لأني تركت قصيدةً على باب خيمتك.. 
وتركت لك معها ورده.. 
بدأت عصور الانحطاط.. 
إن عصور الإنحطاط ليست الجهل بمبادئ النحو 
والصرف.. 
ولكنها الجهل بمبادئ الأنوثه.. 
وشطب أسماء جميع النساء من ذاكرة الوطن.. 
آه يا حبيبتي.. 
ما هو هذا الوطن الذي يتعامل مع الحب.. 
كشرطي سير؟.. 
فيعتبر الوردة مؤامرةً على النظام.. 
ويعتبر القصيدة منشوراً سرياً ضده.. 
ما هو هذا الوطن المرسوم على شكل جرادة صفراء.. 
تزحف على بطنها من المحيط إلى الخليج.. 
من الخليج إلى المحيط.. 
والذي يتكلم في النهار كقديس.. 
ويدوخ في الليل على سرة امرأة.. 
ما هو هذا الوطن؟.. 
الذي ألغى مادة الحب من مناهجه المدرسيه.. 
وألغى فن الشعر.. 
وعيون النساء.. 
ما هو هذا الوطن؟ 
الذي يمارس العدوان على كل غمامةٍ ماطره 
ويفتح لكل نهدٍ ملفاً سرياً... 
وينظم مع كل وردةٍ محضر تحقيق!!. 
يا حبيبتي.. 
ماذا نفعل في هذا الوطن؟. 
الذي يخاف أن يرى جسده في المرآة.. 
حتى لا يشتهيه.. 
ويخاف أن يسمع صوت امرأةٍ في التلفون.. 
حتى لا ينقض وضوءه.. 
ماذا نفعل في هذا الوطن؟ 
الذي يعرف كل شيءٍ عن ثورة أكتوبر..

وثورة الزنج.. 

وثورة القرامطه.. 

ويتصرف مع النساء كأنه شيخ طريقه.. 
ماذا نفعل في هذا الوطن الضائع.. 
بين مؤلفات الإمام الشافعي.. ومؤلفات لينين.. 
بين المادية الجدلية.. وصور (البورنو).. 
بين كتب التفسير.. ومجلة (البلاي بوي).. 
بين فرقة (المعتزلة).. وفرقة (البيلتز)... 
بين رابعة العدوية.. وبين (إيمانويل)... 
أيتها المدهشة كألعاب الأطفال 
إنني أعتبر نفسي متحضراً.

لأني أحبك.

وأعتبر قصائدي تاريخيةً.. لأنها عاصرتك.. 
كل زمنٍ قبل عينيك هو احتمال 
وكل زمنٍ بعدهما هو شظايا.. 
ولا تسأليني لماذا أنا معك.. 
إنني أريد أن أخرج من تخلفي.. 
وأدخل في زمن الماء.. 
أريد أن أهرب من جمهورية العطش.. 
وأدخل جمهورية المانوليا.. 
أريد أن أخرج من بداوتي.. 
وأجلس تحت الشجر.. 
وأغتسل بماء الينابيع. 
وأتعلم أسماء الزهار.. 
أريد أن تعلميني القراءة والكتابه.. 
فالكتابة على جسدك أول المعرفه 
والدخول إليه دخول إلى الحضاره.. 
إن جسدك ليس ضد الثقافه.. 
ولكنه الثقافه.

ومن لا يقرأ دفاتر جسدك 
يبقى طول حياته.. أمياً..

***

امرأة تمشي في داخلي

لا أحد قرأ فنجاني.. 
إلا وعرف أنك حبيبتي 
لا أحد درس خطوط يدي 
إلا واكتشف حروف اسمك الأربعه.. 
كل شيء يمكن تكذيبه 
إلا رائحة امرأةٍ نحبها.. 
كل شيءٍ يمكن إخفاؤه 
إلا خطوات امرأةٍ تتحرك في داخلنا.. 
كل شيءٍ يمكن الجدل فيه.. 
إلا أنوثتك.. 
أين أخفيك يا حبيبتي؟ 
نحن غابتان تشتعلان 
وكل كاميرات التلفزيون مسلطةٌ علينا.. 
أين أخبئك يا حبيبتي؟ 
وكل الصحافيين يريدون أن يجعلوا منك 
نجمة الغلاف.. 
ويجعلوا مني بطلاً إغريقياً 
وفضيحةً مكتوبه.. 
أين أذهب بك؟ 
أين تذهبين بي؟ 
وكل المقاهي تحفظ وجوهنا عن ظهر قلب 
وكل الفنادق تحفظ أسماءنا عن ظهر قلب 
وكل الأرصفة تحفظ موسيقى أقدامنا 
عن ظهر قلب.. 
نحن مكشوفان للعالم كشرفةٍ بحريه 
ومرئيان كسمكتين ذهبيتين.. 
في إناءٍ من الكريستال.. 
لا أحد قرأ قصائدي عنك.. 
إلا وعرف مصادر لغتي.. 
لا أحد سافر في كتبي 
إلا وصل بالسلامة إلى مرفأ عينيك 
لا أحد أعطيته عنوان بيتي 
إلا توجه صوب شفتيك.. 
لا أحد فتح جواريري 
إلا ووجدك نائمةً هناك كفراشه.. 
ولا أحد نبش أوراقي.. 
إلا وعرف تاريخ حياتك.. 
علميني طريقةً 
أحبسك بها في التاء المربوطه 
وأمنعك من الخروج.. 
علميني أن أرسم حول نهديك 
دائرةً بالقلم البنفسجي 
وأمنعهما من الطيران 
علميني طريقةً أعتقلك بها كالنقطة في آخر السطر.. 
علميني طريقةً أمشي بها تحت أمطار عينيك .. ولا أتبلل 
وأشم بها جسدك المضمخ بالبهارات الهندية.. ولا أدوخ.. 
وأتدحرج من مرتفعات نهديك الشاهقين.. 
ولا أتفتت.... 
إرفعي يديك عن عاداتي الصغيره 
وأشيائي الصغيره.. 
عن القلم الذي أكتب به.. 
والأوراق التي أخربش عليها.. 
وعلاقة المفاتيح التي أحملها.. 
والقهوة التي أحتسيها.. 
وربطات العنق التي أقتنيها 
إرفعي يديك عن كتابتي.. 
فليس من المعقول أن أكتب بأصابعك 
وأتنفس برئتيك.. 
ليس من المعقول أن أضحك بشفتيك 
وأن تبكي أنت بعيوني!!. 
إجلسي معي قليلاً.. 
لنعيد النظر في خريطة الحب التي رسمتها 
بقسوة فاتحٍ مغولي.. 
وأنانية امرأةٍ تريد أن تقول للرجل: 
" كن .. فيكون .." 
كلميني بديمقراطيه ، 
فذكور القبيلة في بلادي.. 
أتقنوا لعبة القمع السياسي 
ولا أريدك أن تًمارسي معي 
لعبة القمع العاطفي.. 
إجلسي حتى نرى.. 
أين حدود عينيك؟. 
وأين حدود أحزاني؟. 
أين تبتديء مياهك الإقليميه؟ 
وأين ينتهي دمي؟. 
إجلسي حتى نتفاهم.. 
على أي جزءٍ من أجزاء جسدي 
ستتوقف فتوحاتك.. 
وفي أي ساعةٍ من ساعات الليل 
ستبدأ غزواتك؟ 
إجلسي معي قليلاً.. 
حتى نتفق على طريقة حبٍ 
لا تكونين فيها جاريتي.. 
ولا أكون فيها مستعمرةً صغيرةً 
في قائمة مستعمراتك.. 
التي لا تزال منذ القرن السابع عشر 
تطالب نهديك بالتحرر 
ولا يسمعان.. 
ولا يسمعان..