لا شيء يعجبني محمود درويش


يقول مسافرٌ في الباصِ .. لا شيءَ يُعْجبُني

لا الراديو  و لا صُحُفُ الصباح , و لا القلاعُ على التلال. 

أُريد أن أبكي


يقول السائقُ: انتظرِ الوصولَ إلى المحطَّةِ, وابْكِ وحدك ما استطعتَ

تقول سيّدةٌ: أَنا أَيضاً.

أنا لا شيءَ يُعْجبُني.

دَلَلْتُ اُبني على قبري’ 

فأعْجَبَهُ ونامَ’ ولم يُوَدِّعْني

يقول الجامعيُّ: ولا أَنا ‘ لا شيءَ يعجبني. 

دَرَسْتُ الأركيولوجيا دون أَن

أَجِدَ الهُوِيَّةَ في الحجارة. 

هل أنا حقاً أَنا؟

ويقول جنديٌّ: أَنا أَيضاً. أَنا لا شيءَ يُعْجبُني . 

أُحاصِرُ دائماً شَبَحاً يُحاصِرُني
يقولُ السائقُ العصبيُّ: ها نحن اقتربنا من محطتنا الأخيرة’ فاستعدوا للنزول

فيصرخون: نريدُ ما بَعْدَ المحطَّةِ’ .. فانطلق!

أمَّا أنا فأقولُ: أنْزِلْني هنا . 

أنا مثلهم لا شيء يعجبني ‘ 

ولكني تعبتُ من السِّفَر
ـــــــــــــــــــ
عندما كنتُ صغيراً

وجميلاً
كانت الوردة داري
والينابيع بحاري
صارت الوردةُ جرحاً
والينابيع ظمأ
هل تغيَّرت كثيراً ؟
ما تغيَّرتُ كثيراً
عندما نرجع كالريح
إلى منزلنا
حدِّقي في جبهتي
تجدي الورد نخيلا
والينابيع عرق
تجديني مثلما كنتُ
صغيراً
وجميلاً..
ـــــــــــــــــ

اجمل الحب

كما ينبت العشب بين مفاصل صخرة

وجدنا غريبين يوما

و كانت سماء الربيع تؤلف نجما ... و نجما

و كنت أؤلف فقرة حب..

لعينيك.. غنيتها!

أتعلم عيناك أني انتظرت طويلا

كما انتظر الصيف طائر

و نمت.. كنوم المهاجر

فعين تنام لتصحو عين.. طويلا

و تبكي على أختها ،

حبيبان نحن، إلى أن ينام القمر

و نعلم أن العناق، و أن القبل

طعام ليالي الغزل

و أن الصباح ينادي خطاي لكي تستمرّ

على الدرب يوما جديداً !

صديقان نحن، فسيري بقربي كفا بكف

معا نصنع الخبر و الأغنيات

لماذا نسائل هذا الطريق .. لأي مصير

يسير بنا ؟

و من أين لملم أقدامنا ؟

فحسبي، و حسبك أنا نسير...

معا، للأبد

لماذا نفتش عن أغنيات البكاء

بديوان شعر قديم ؟

و نسأل يا حبنا ! هل تدوم ؟

أحبك حب القوافل واحة عشب و ماء

و حب الفقير الرغيف !

كما ينبت العشب بين مفاصل صخرة

وجدنا غريبين يوما

و نبقى رفيقين دوما

ـــــــــــ

سألتك: هزّي بأجمل كف على الارض

غصن الزمان!

لتسقط أوراق ماض وحاضر

ويولد في لمحة توأمان:

ملاك..وشاعر!

ونعرف كيف يعود الرماد لهيبا

إذا اعترف العاشقان!

أتفاحتي! يا أحبّ حرام يباح

إذا فهمت مقلتاك شرودي وصمتي

أنا، عجبا، كيف تشكو الرياح

بقائي لديك؟ و أنت

خلود النبيذ بصوتي

و طعم الأساطير و الأرض.. أنت !

لماذا يسافر نجم على برتقاله

و يشرب يشرب يشرب حتى الثماله

إذا كنت بين يديّ

تفتّت لحن، وصوت ابتهاله

لماذا أحبك؟

كيف تخر بروقي لديك ؟

و تتعب ريحي على شفتيك

فأعرف في لحظة

بأن الليلي مخدة

و أن القمر

جميل كطلعة وردة

و أني وسيم.. لأني لديك!

أتبقين فوق ذراعي حمامة

تغمّس منقارها في فمي؟

و كفّك فوق جبيني شامه

تخلّد وعد الهوى في دمي ؟

أتبقين فوق ذراعي حمامه

تجنّحي.. كي أطير

تهدهدني..كي أنام

و تجعل لا سمي نبض العبير

و تجعل بيتي برج حمام؟

أريدك عندي

خيالا يسير على قدمين

و صخر حقيقة

يطير بغمرة عين !

ــــــــ

لحن غجري

شارعٌ واضحٌ

وَبِنْتْ

خَرجتْ تُشعلُ القمرْ

وبلادٌ بعيدةٌ

وبلادٌ بلا أثرْ .


حُلمٌ مالحُ

وصوتْ

يحفر الخصر في الحجرْ

اذهبي يا حبيبتي

فوق رمشي .. أو الوَتَرْ


قَمَرٌ جارحٌ

وصمتْ

يكسرُ الريح والمطرْ

يجعل النهرَ إبرةٌ

في يدٍ تنسج الشَجَرْ


حائطٌ سابحٌ

وبيتْ

يختفي كُلَّما ظَهَرْ

رُبَّما يقتلوننا

أو ينامون في الممّر ...


زَمَنٌ فاضحٌ

وموتْ

يشتهينا إذا عَبَرْ

انتهى الآن كُلُّ شيء

واقتربنا من النَهَرْ

انتهت رحلةُ الغَجَرْ

وتعبنا من السَفَرْ


شارعٌ واضحٌ

وبنتْ

خرجت تَلصق الصُوَرْ

فوق جدران جُثَّتي ..

وخيامي بعيدة

وخيامٌ بلا أثَرْ .