خطبة جمعة عن بر الوالدين


خطبة عن بر الوالدين



  • الخطبة الأولى




الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب. أظهر الحق بالحق و أخزى الأحزاب.
وأتم نوره. وجعل كيد الكافرين في تباب. غافر الذنب و قابل التوب شديد العقاب.
خلق الناس من آدم وخلق آدم من تراب. خلق الموت و الحياة ليبلونا وإليه المآب.
فمن عمل صالحًا فلنفسه والله عنده حسن الثواب. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ليس له أنداد ولا أشباه ولا شركاء. وأشهد أن سيدنا محمدًا خاتم الرسل والأنبياء. وإمام المجاهدين والأتقياء. والشهيد يوم القيامة على الشهداء.. فصلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه الأطهار من المهاجرين والأنصار.
أما بعد:

قال تعالى: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴾ [الإسراء 23].

قرن الاحسان للوالدين بعابدته لما في البر من عظيم العبودية لله فالعبودية إيمان والبر العمل الصالح والإحسان ليس طاعة فقط بل مع الطاعة حب الأمر وحب التنفيذ.

وتشتد الحاجة في البر عند الكبر لما يحلقهما من الضعف والوهن كما كنت مثلهما عند الصغر وهنا يعظم البر.
وعند ذلك فقول أف كفر نعمة ونكارة جميل ومعصية للخالق فعظمت في حق الوالدين.
ومن أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم في هذا الباب:

عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ: رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ " ثَلَاثًا. قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: "الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ - وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا - أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ" مَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حتى قلت: ليته سكت.
العقوق كبيرة لا يخرج منها إلا بتوبة صادقة نصوح فمن من شرط التوبة الإقلاع عن الذنب ومن كان في العقوق فهو في كبيرته.
وقد قرن الله الشرك بالعقوق فقال ابن عباس: في قوله تعالى: ﴿ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ ﴾ [لقمان: 14]، فمن شكر لله ولم يشكر لوالديه لا يقبل الله شكره".

وقد بلغ من بر الفضل بن يحيى بأبيه أنهما كانا في السجن، وكان يحيى لا يتوضأ إلا بماء ساخن، فمنعهما السجان من إدخال الحطب في ليلة باردة، فلما نام يحيى قام الفضل إلى وعاء وملأه ماء، ثم أدناه من المصباح، ولم يزل قائما والوعاء في يده حتى أصبح.
فمن عرف هذا يجد الاقتران العجيب بين الشرك والعقوق وشهادة الزور إذ كلها يجمعها صرف الحق لغير صاحبه فأعظم صرف للبر لوالديك.

عن أبي عمرو الشيباني قال: حَدَّثَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: "الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا ". قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ثُمَّ "بِرُّ الْوَالِدَيْنِ " قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ((ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي.

قدم الصلاة لتقدم طاعة الله على طاعة خلقه ولذا قال سعد بن أبي وقاص:: نَزَلَتْ فِيَّ أَرْبَعُ آيَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: كَانَتْ أُمِّي حَلَفَتْ، أَنْ لَا تَأْكُلَ وَلَا تَشْرَبَ، حَتَّى أُفَارِقَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطُعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ﴾ [لقمان: 15]...)) صحيح.

وقدم برهما على جهاد النافلة لأن رعاية الأبوين درجة وجوب فلا جهاد نافلة إلا بإذنهما، عن معاوية بن جاهمة رضي الله عنه قال: (( جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: أردت أن أغزو وقد جئت أستشيرك، فقال: ((هل لك أم؟ قال: نعم، قال: فالزمها فإن الجنة تحت رجليها)) [رواه النسائي وابن ماجه بإسناد لا بأس به].

ولكي ينال العبد رضا الله فليسمع حديث: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم((رضا الرب تبارك وتعالى في رضا الوالدين وسخط الله تبارك وتعالى في سخط الوالدين)) حسنه الألباني.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: "أُمَّكَ". قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "أُمَّكَ". قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "أمك". قال: ثم من؟ ثم عاد الرابعةَ فـقال: "أباك".

ذكر حق الأم ثلاثاً لحق الحمل والرضاع والتربية وذكر حق الأب مرة للتربية فقط.
الأم أكثر حناناً وعاطفة فمما يروى أن ((امرأة عجوز ذهب بها ابنها إلى الوادي عند الذئاب يريد الانتقام منها، وتسمع المرأة أصوات الذئاب، فلما رجع الابن ندم على فعلته فرجع وتنكر في هيئةٍ حتى لا تعرفه أمه.. فغير صوته وغير هيئته. فاقترب منها، قالت له يا أخ: لو سمحت هناك ولدي ذهب من هذا الطريق انتبه عليه لا تأكله الذئاب.)).

والأم قدمت لأن عقوقها أسهل من الأب ولذا كان برها مما يدل على حب البر، قال صلى الله عليه وسلم: ((دخلتُ الجنةَ فسمعتُ فيها قراءةً، قلتُ: من هذا؟ فقالوا: حارثةُ بنُ النعمانِ، كذلكم البِرُّ كذلكم البِرُّ [وكان أبرَّ الناسِ بأُمِّهِ] الراوي: عائشة أم المؤمنين المحدث: الألباني - المصدر: السلسلة الصحيحة - الصفحة أو الرقم: 913 خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ولذا كان السلف أصحاب طمع فيما عند الله فلم يغرهم منصب ولا جاه عن بر والديهم فهذا: ((حيوة بن شريح وهو أحد أئمة المسلمين يقعد في حلقته يعلم الناس فتقول له أمه: قم يا حيوة فالق الشعير للدجاج فيقوم ويترك التعليم)).

والأم وإن كانت مقدمة في البر لكن لا تقدم على حساب عقوق الأب فلكل حق. ومن عرف الحق أعطى كل ذي حقي حقه.
أقول ما سمعتم وأستغفر الله إن الله غفور رحيم.


  • الخطبة الثانية


الحمد لله الذي هدانا للحق وأنعم ظاهراً وباطناً، وجعل لنا نورا نمشي به في ظلمات الباطل والزيغ فنهتدي بإذنه إلى طريق الرشاد والفلاح. أما بعد:

عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم قالت: -
(( أتتني أمي راغبةً، في عهدِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فسألتُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: آصِلُها؟ قال: نعم. قال ابنُ عُيينةَ: فأنزل اللهُ تعالى فيها: لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ )).البخاري.

للأبوين حق ولو وصلا إلى درجة الكفر وهذه رسالة لمن يعق أبويه المسلمين والموحدين.
ونقول لكل عاق قال صلى الله عليه وسلم: ((لا يدخلُ الجنَّةَ منَّانٌ، ولا عاقٌّ، ولا مُدمنُ خمرٍ)) الراوي: عبدالله بن عمرو المحدث: الألباني: صحيح النسائي - (5688).

ونقول لكل عاق قال العلماء:"" كل معصية تؤخر عقوبتها بمشيئة الله إلى يوم القيامة إلا العقوق، فإنه يعجل له في الدنيا)).
ومن شاهد الحياة ذكر العلماء ((أن رجلاً حمل أباه الطاعن في السن، وذهب به إلى خربة فقال الأب: إلى أين تذهب بي يا ولدي، فقال: لأذبحك فقال: لا تفعل يا ولدي، فأقسم الولد ليذبحن أباه، فقال الأب: فإن كنت ولا بد فاعلاً فاذبحني هناك عند تلك الشجرة فإني قد ذبحت أبي هناك ولك بمثلها يا بني وكما تدين تدان)).

نختم بصور البر عن سلفنا المبارك:

يروى أن ((أسامة بن زيد" كان له نخل بالمدينة، وكانت النخلة تبلغ نحو ألف دينار، وفى أحد الأيام اشتهت أمه الجمار، وهو الجزء الرطب في قلب النخلة، فقطع نخلة مثمرة ليطعمها جمارها، فلما سئل في ذلك قال: ليس شيء من الدنيا تطلبه أمي أقدر عليه إلا فعلته)).

فعن أنس بن النضير الأشجعي: استقت أم ابن مسعود ماء في بعض الليالي فذهب فجاءها بشربة فوجدها قد ذهب بها النوم فثبت بالشربة عند رأسها حتى اصبح.

وكان "على بن الحسين (زين العابدين)" كثير البر بأمه، ومع ذلك لم يكن يأكل معهما في إناء واحد، فسئل: إنك من أبر الناس بأمك، ولا نراك تأكل معها؟! فقال: أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها، فأكون قد عققتها)).
وهذا ((محمد بن سيرين إذا كلم أمه كأنه يتضرع وقال ابن عوف: دخل رجل على محمد بن سيرين وهو عند مه فقال: ما شأن محمد أيشتكي شيئا؟ قالوا: لا ولكن هكذا يكون إذا كان عند أمه)).

بهذا عاشت الأمة قوتها في العلم والعمل فسادت الدنيا بمعرفتها لربها واتباعاً لنبيها وحباً لأمتها وما يزيدها عزة وشرفا.
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك أنت الوهاب وأصلح اللهم أحوالنا في الأمور كلها وبلغنا بما يرضيك أمالنا واختم بالصالحات أعمالنا وبالسعادة أجالنا وتوفنا يا رب وأنت راض عنا.


  • اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مباركا مرحوما وتفرقنا من كل شر معصوما ربنا لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته ولا هما إلا فرجته ولا مريضا إلا شفيته ولا ميتا إلا رحمته ولا طالبا أمرا من أمور الخير إلا سهلته له ويسرته.
  • اللهم وحد كلمة المسلمين واجمع شملهم واجعلهم يدا واحدة على من سواهم وانصر
  • اللهم المسلمين واخذل الكفرة المشركين أعدائك أعداء الدين
  • اللهم ارزقنا بر والدينا أحياء وأمواتا وجمعنا بهم في جنة النعيم يا أرحم الراحمين.
  • اللهم اعف عن تقصيرنا في برهم وجبر كسرنا بفقدهم وجعلنا من الصالحين.

ربنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

بسم اللهِ الرَّحمنِ الرّحيمِ



  • الخطبة الأولى :


إنَّ الحَمدَ للهِ نَحمدُهُ ونستعينُهُ ونستهديهِ ونشْكرُهُ ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنَا ومن سيئاتِ أعمالنا، مَن يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لهُ ومن يُضلِل فلا هادِيَ لهُ، وأشهدُ أنْ لا إلـهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ ولا مثيلَ لهُ ولا ضدَّ ولا نِدَّ لهُ، أنزلَ على قلبِ عبدِهِ وحبيبِهِ محمَّدٍ قرءانًا عربيًا مَنْ تَمَسَّكَ بِهَدْيِهِ فازَ فَوْزًا عظيمًا. فلقدْ قالَ ربُّنا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾ [سورة الإسراء] وأشهدُ أنَّ سيدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وقُرَّةَ أَعْيُنِنَا محمَّدًا عبدُ اللهِ ورسولُهُ وصَفِيُّهُ وحبيبُهُ، بَلَّغَ الرِّسالَةَ وأدَّى الأمانَةَ ونَصَحَ الأُمَّةَ، فهوَ القائِلُ في حديثِهِ الشَّريفِ: «إنَّ مِنْ أبرّ البِرّ أنْ يَبَرَّ الرجلُ أهْلَ وِدّ أبِيهِ بعدَ أنْ يُوَلّيَ». فجزاكَ اللهُ عنَّا يا سيّدِي يا رسولَ اللهِ خيرًا، جزاكَ اللهُ عنَّا خَيْرَ ما جزَى نبِيًا منْ أنْبِيائِهِ، الصَّلاةُ والسَّلامُ عليكَ يا عَلَمَ الهُدى ويا بدرَ الدُّجَى يا مُحمَّدُ.

أمّا بعدُ عبادَ اللهِ، فإني أوصيكُمْ ونفسِي بِتَقْوى اللهِ العَلِيّ العظيم فالتَّقوى هيَ سبيلُ النَّجاةِ يومَ الدّينِ، هيَ التي تَنْفَعُ يومَ لا ينفعُ مالٌ ولا بَنونَ إلا منْ أتَى اللهَ بقلبٍ سليمٍ. إخوةَ الإيمانِ، لقدْ جاءَ الأنبياءُ بالهدَى والبَيّناتِ ودَعوا إلى المكارِمِ والمعالي وأعمالِ الخيرِ، فمِنَ المكارمِ والمعالي التي جاءَ بها أنبياءُ اللهِ عزَّ وجلَّ برُّ الوالدينِ. يقولُ اللهُ تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ [سورة الإسراء] .

أمَرَ اللهُ عبادَهُ أمْرًا مَقْطوعًا بِهِ بأنْ لا يَعْبُدوا إلا إيَّاهُ، وأمَرَ بالإحسانِ للوالدينِ، والإحسانُ هوَ البِرُّ والإكرامُ. قالَ ابنُ عباسٍ: «لا تَنْفُضْ ثَوْبَكَ فَيُصيبَهُما الغُبارُ».

وقدْ نهَى اللهُ تعالى في هذِهِ الآيةِ عنْ قولِ ﴿أُفٍّ﴾ للوالِدَيْنِ وهوَ صوتٌ يدُلُّ على التَّضَجُّرِ، فالعبْدُ مأمورٌ بأنْ يستعمِلَ معهُمَا لِينَ الخُلقِ حتَّى لا يقولَ لهما إذا أضجرَهُ شىءٌ منهُمَا كلمة «أُفٍ». ﴿وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا ﴾ أيْ ولا تنهاهُمَا عنْ شىءٍ أحبَّاهُ لا معصِيَةَ للهِ فيهِ، وقلْ لهُمَا قوْلا ليّنًا لطيفًا أحسنَ ما تَجِدُ كما يَقْتَضيهِ حُسْنُ الأَدَبِ.

واسمَعوا جيّدًا قولَ اللهِ تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ﴾ أيْ أَلِنْ لهمَا جانِبَكَ مُتَذَلّلاً لهُما مِنْ فَرْطِ رحمَتِكَ إيَّاهُما وعطْفِكَ عليهِمَا. كُنْ لَيِّنَ الجانِبِ مُتذلّلاً لوالدَيْكَ، وتذكَّرْ أنَّكَ بالأمسِ في صِغَرِكَ كنتَ أفقرَ خلْقِ اللهِ إليْهِمَا، مَنِ الذي أزالَ عنكَ النَّجاسَةَ في صِغَرِكَ ؟ منِ الذي سَهِرَ اللَّيالي لأجْلِ صِحَّتِكَ ؟ وإن بِرَّ الأمَّهاتِ أعظمُ ثَوابًا مِنْ بِرّ الآباءِ لِعَظيمِ فَضْلِ الأُمّ وما تَحَمَّلَتْهُ وقَدَّمَتْهُ لولدِهَا في سبيلِ تَرْبِيَتِهِ. رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَمّا سأَلَهُ بعضُ الصحابةِ: «منْ أَحَقُّ الناسِ بِحُسْنِ صحابَتِي ؟ قالَ: أمُّكَ. قالَ: ثمَّ مَنْ ؟ قالَ: أمُّكَ. قالَ: ثمَّ مَنْ ؟ قالَ: أمُّكَ. قالَ: ثمَّ مَنْ ؟ قالَ: أبوكَ».

حضَّ الإسلامُ الولَدَ على طاعةِ والديه فيمَا لا معصيةَ فيهِ، وجعلَ اللهُ تعالى للمسلمِ الذي يُطيعُ والدَيْهِ فيما لا معصيةَ فيهِ أجْرًا عظيمًا في الآخرةِ، بلْ منَ الناسِ منْ أكْرَمَهُمُ اللهُ بأشياءَ في دنياهُمْ قبلَ ءاخِرَتِهِمْ بِسَبَبِ بِرّهِمْ لأُمّهِمْ كبلالٍ الخَوَّاصِ رَضِيَ اللهُ عنهُ الذي كانَ منَ الصالحينَ المشهورينَ قالَ: «كنتُ في تيهِ بني إسرائيلَ فوجدْتُ رجلاً يُماشِيني فأُلْهِمْتُ أنَّهُ الخَضِرُ (والخَضِرُ هوَ نبيٌّ على القوْلِ الرَّاجِحِ ولا زالَ حَيًا إلى الآنَ بِقُدْرَةِ اللهِ تَعَالى) قالَ بلالُ الخَوَّاص رَضِيَ اللهُ عنهُ: فسأَلْتُهُ عنْ مالِكِ بنِ أَنَسٍ فقالَ: هوَ إمامُ الأئِمَّةِ. ثمَّ سَأَلْتُهُ عَنِ الشَّافِعِيّ فقالَ: هوَ مِنَ الأوتادِ. ثمَّ سَأَلْتُهُ عَنْ أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ فقالَ: هوَ صدّيقٌ. ثمَّ قالَ لهُ: أسأَلُكَ بِحَقّ الحَقّ مَنْ أنتَ ؟ فقالَ: أنا الخَضِرُ. قالَ: فَقُلْتُ لهُ ما هيَ الوسيلةُ التي رَأَيْتُكَ بِها ؟ قالَ: بِرُّكَ بِأُمّكَ». أيِ الفضيلةُ التي جَعَلَتْكَ أَهْلاً لِرُؤْيَتِي هِيَ كَوْنُكَ بارًّا بِأُمّكَ.

اللهمَّ ارزُقْنَا حُسْنَ الاقْتِدَاءِ بالأنْبياءِ والأوْلياءِ والصَّالِحينَ .

هذا وأستغْفِرُ اللهَ العظيمَ لي ولَكُمْ.


  • الخطبةُ الثانيةُ:


إنَّ الحَمدَ للهِ نحمدُهُ ونستعينُهُ ونستهديهِ ونشكرُهُ ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنَا ومِن سيئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لهُ ومن يُضلِل فلا هاديَ له، والصلاةُ والسلامُ على سيّدِنا محمّدِ ابنِ عبدِ اللهِ وعلى ءالِهِ وصحبِهِ ومنْ والاهُ.

أمّا بَعْدُ، عبادَ اللهِ، فإني أوصيكُم ونَفْسي بِتَقْوى اللهِ العَلِيّ العظيمِ القائِلِ في مُحْكَمِ كتابِهِ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾.

﴿قوا أنْفُسَكُم وأهليكم﴾ أيْ عَلّمُوا أَنْفُسَكُمْ وأهلِيكُمُ الخَيْرَ، تَعَلَّموا وعَلّمُوا أَهْلَكُمُ القَدْرَ الواجِبَ مِنْ عِلْمِ الدّينِ. وبعدَ الحديثِ عنْ بِرّ الوالدينِ والتحذيرِ منْ عقوقِ الوالدينِ نود أن نرشد الأم والأب إلى حسن التربية ومن ذلك أن ترسل ولدك إلى مجالس العلم الشرعي. ولا بُدَّ لنا أنْ نُنَبّهَكَ أيُّها الأبُ أنْ لا تَتَسَّرَعَ وتَضَعَ أولادَكَ عندَ أناسٍ لا يَتَّقونَ اللهَ ولا يخافونَ اللهَ ويُعَلّمونَ الأولادَ العقائِدَ الفاسِدَةَ والعياذُ باللهِ.

واعلَموا أنَّ اللهَ أمرَكُمْ بأمْرٍ عظيمٍ، أمرَكُمْ بالصلاةِ والسلامِ على نبيِهِ الكريمِ فقالَ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ . اللّهُمَّ صَلّ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا صلّيتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيم، وبارِكْ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا بارَكْتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيمَ إنّكَ حميدٌ مجيدٌ، يقول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾ . اللّهُمَّ إنَّا دعَوْناكَ فاستجبْ لنا دعاءَنا فاغفرِ اللّهُمَّ لنا ذنوبَنا وإسرافَنا في أمرِنا، اللّهُمَّ اغفِرْ للمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهُمْ والأمواتِ، ربَّنا ءاتِنا في الدنيا حسَنةً وفي الآخِرَةِ حسنةً وقِنا عذابَ النارِ، اللّهُمَّ اجعلْنا هُداةً مُهتدينَ غيرَ ضالّينَ ولا مُضِلينَ، اللّهُمَّ استرْ عَوراتِنا وءامِنْ روعاتِنا واكفِنا مَا أَهمَّنا وَقِنَا شَرَّ ما نتخوَّفُ. عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعَدْلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذِي القربى وينهى عَنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبَغي، يعظُكُمْ لعلَّكُمْ تذَكَّرون. اذكُروا اللهَ العظيمَ يذكرْكُمْ، واشكُروهُ يزِدْكُمْ، واستغفروه يغفِرْ لكُمْ، واتّقوهُ يجعلْ لكُمْ مِنْ أمرِكُمْ مخرَجًا، وَأَقِمِ الصلاةَ.